صديق الحسيني القنوجي البخاري
109
أبجد العلوم
فتقضى الحاجات ، وقد دفعت مئونة المباشرة لها ويطلع بها على العلوم والمعارف وصحف الأولين وما كتبوه من علومهم وأخبارهم ، فهي شريفة بهذه الوجوه والمنافع . وخروجها في الإنسان من القوة إلى الفعل إنما يكون بالتعليم ، وعلى قدر الاجتماع والعمران والتناغي في الكمالات والطلب لذلك تكون جودة الخط في المدينة ، إذ هو من جملة الصنائع وإنها تابعة للعمران ، ولهذا نجد أكثر البدو أميين لا يكتبون ولا يقرءون ، ومن قرأ منهم أو كتب فيكون خطه قاصرا وقراءته غير نافذة . ونجد تعليم الخط في الأمصار الخارج عمرانها عن الحد أبلغ وأحسن وأسهل طريقا لاستحكام الصنعة فيها ، كما يحكى لنا عن مصر لهذا العهد وأن بها معلمين منتصبين لتعليم الخط يلقون على المتعلم قوانين وأحكاما في وضع كل حرف ويزيدون إلى ذلك المباشرة بتعليم وضعه ، فتعتضد لديه رتبة العلم والحس في التعليم وتأتي ملكته على أتم الوجوه . وإنما أتى هذا من كمال الصنائع ووفورها بكثرة العمران وانفساح الأعمال . وقد كان الخط العربي بالغا مبالغه من الإحكام والاتقان والجودة في دولة التبابعة لما بلغت من الحضارة والترف وهو المسمى بالخط الحميري ، وانتقل منها إلى الحيرة لما كان بها من دولة آل المنذر نسباء التبابعة في العصبية والمجددين لملك العرب بأرض العراق ، ولم يكن الخط عندهم من الإجادة كما كان عند التبابعة لقصور ما بين الدولتين . وكانت الحضارة وتوابعها من الصنائع وغيرها قاصرة عن ذلك ، ومن الحيرة لقنه أهل الطائف وقريش فيما ذكر ، يقال : إن الذي تعلم الكتابة من الحيرة هو سفيان بن أمية ويقال : حرب بن أمية وأخذها من أسلم بن سدرة ، وهو قول ممكن وأقرب ممن ذهب إلى أنهم تعلموها من إياد أهل العراق لقول شاعرهم : قوم لهم ساحة العراق إذا * ساروا جميعا والخطّ والقلم وهو قول بعيد لأن إيادا وإن نزلوا ساحة العراق فلم يزالوا على شأنهم من البداوة ، والخط من الصنائع الحضرية . وإنما معنى قول الشاعر أنهم أقرب إلى الخط والقلم من غيرهم من العرب لقربهم من ساحة الأمصار وضواحيها . فالقول بأن أهل الحجاز إنما لقنوها من الحيرة ولقنها أهل الحيرة من التبابعة وحمير هو الأليق من الأقوال ، وكان لحمير كتابة تسمى المسند حروفها منفصلة وكانوا يمنعون من تعلمها إلا بإذنهم ، ومن حمير تعلمت مضر الكتابة العربية إلا أنهم لم يكونوا مجيدين لها ، شأن الصنائع إذا وقعت بالبدو فلا تكون محكمة المذاهب ولا مائلة إلى الإتقان والتنميق لبون ما بين البدو والصناعة واستغناء البدو عنها في الأكثر . وكانت كتابة العرب بدوية مثل كتابتهم أو قريبا من كتابتهم لهذا العهد . أو